الحلبي

239

السيرة الحلبية ( إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون )

فجاء معاذ رضي اللّه تعالى عنه ، فقال : لا أجده صلى اللّه عليه وسلم على حال أبدا إلا كنت عليها ، ثم قضيت ما سبقني ، فجاء وقد سبقه النبي صلى اللّه عليه وسلم ببعضها فثبت معه ، فلما قضى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم صلاته قام فقضى ما عليه ، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : إنه قد سن لكم معاذ ، فكذا فاصنعوا ، أي وكان هذا قبل قوله صلى اللّه عليه وسلم : « ما أدركتم فصلوا ، وما فاتكم فأتموا » . وأخرج صفوان بن أمية رضي اللّه تعالى عنه زيدا رضي اللّه تعالى عنه إلى الحل مع مولى له ليقتله به ، واجتمع عند قتله رهط من قريش فيهم أبو سفيان بن حرب ، فلما قدم للقتل ، قال له أبو سفيان رضي اللّه تعالى عنه : أنشدك باللّه يا زيدا أتحب محمدا الآن عندنا مكانك تضرب عنقه وأنت في أهلك ، فقال واللّه ما أحب أن محمدا الآن في مكانه الذي هو فيه تصيبه شوكة تؤذيه وإني لخالص في أهلي ، فقال أبو سفيان رضي اللّه تعالى عنه : ما رأيت من الناس أحدا يحب أحدا كحب أصحاب محمد محمدا ، ونقل مثل ذلك عن خبيب رضي اللّه تعالى عنه ، أي فإنهم لما وضعوا السلاح في خبيب رضي اللّه تعالى عنه وهو مصلوب نادوه وناشدوه : أتحب أن محمدا مكانك ؟ قال : لا واللّه ما أحب أن يؤذى بشوكة في قدمه ، ثم قتله ذلك المولى . أي طعنه برمح في صدره حتى أنفذه من ظهره ، وقيل رمي بالنبل ، وأرادوا فتنته عن دينه ، فلم يزدد إلا إيمانا . ولما قتل عاصم رضي اللّه تعالى عنه الذي هو أمير هذه السرية على ما تقدم ، أرادت هذيل أخذ رأسه ليبيعوه من سلافة وهي أم مسافع وجلاس ابني طلحة بن أبي طلحة بن عبد الدار وكلام بعضهم يقتضي أنها أسلمت بعد ، فإن عاصما هذا كما تقدم قتل يوم أحد ولديها كلاهما أشعره سهما ، وكل يأتي إليها بعد إصابته بالسهم ويضع رأسه في حجرها ، فتقول : يا بني من أصابك ؟ فيقول : سمعت رجلا يقول حين رماني : خذها وأنا ابن أبي الأفلح فنذرت إن قدرت على رأسه لتشربن في قحفة الخمر ، وجعلت لمن يجيء برأسه مائة ناقة كما تقدم ، فحالت الدبر بفتح الدال المهملة وسكون الباء الموحدة : وهي الزنابير بينهم وبين عاصم رضي اللّه تعالى عنه ، كلما قدموا على قحفة طارت في وجوههم ولدغتهم فقالوا : دعوه حتى يمسي فنأخذه ، فبعث اللّه الوادي : أي سال ، فاحتمل السيل عاصما فذهب به حيث أراد اللّه فسمي حمى الدبر وبعث ناس من قريش لما بلغهم قتل عاصم في طلب جسده أو شيء منه يعرفونه : أي ليمثلوا به لأنه قتل عظيما من عظمائهم ، قال الحافظ ابن حجر لعله عقبة بن أبي معيط فإن عاصما قتله صبرا بإذن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بعد أن انصرفوا من بدر أي كما تقدم ، قال : وكأنّ قريشا لم تشعر بما جرى لهذيل من منع الزنابير لهم عن عاصم ، أو شعروا بذلك ورجوا أن الزنابير تركته : أي ولم يشعروا بأن السيل أخذه اه أي وقد كان عاصم رضي اللّه تعالى عنه دعا اللّه أن لا يمس مشركا ، ولا